top of page

تحليل: مصر، سبونج بوب، ونظام التشغيل الجديد للاعتراض

  • قبل ساعتين
  • 5 دقيقة قراءة
من قاع الهامور إلى قلب النقاش: 1.8 مليون مصري اجتمعوا حول نكتة رقمية بلا زعيم ولا تنظيم — فقط ميمز وسخرية وسرعة، تكشف كيف يعيد جيل جديد تشكيل معنى التجمع والاعتراض.
من قاع الهامور إلى قلب النقاش: 1.8 مليون مصري اجتمعوا حول نكتة رقمية بلا زعيم ولا تنظيم — فقط ميمز وسخرية وسرعة، تكشف كيف يعيد جيل جديد تشكيل معنى التجمع والاعتراض.


 أحمد فتحي

بقلم: أحمد فتحي


نيويورك: دخل ما يقرب من مليوني مصري مدينة خيالية في قاع البحر. والمفارقة أن الحكاية انتهت وهي تقول لنا شيئاً حقيقياً جداً عن السلطة فوق سطحه.


في العام الماضي، نشرتُ تحليلاً عن الكيفية التي يعيد بها جيل «زد» كتابة نظام تشغيل الاحتجاج.


وقلت وقتها إن الكوريغرافيا القديمة تغيّرت. لم نعد أمام زعيم كاريزمي، أو مقر للحركة، أو بيان من خمسين صفحة لا يقرأه أحد أصلاً. لا هرم حزبي ينتظر دوره في الاختراق أو الاعتقال أو الاستدعاء إلى مفاوضات.


بدلاً من ذلك، أصبحت المعادلة الجديدة تقوم على اللامركزية، والميمز، والسرعة.


شرارة رقمية. نكتة. هاشتاغ. إحباط مشترك. ثم فجأة، وقبل أن تنتهي الحكومات من السؤال: «مين اللي منظم الموضوع ده؟»، يكون مئات الآلاف قد وصلوا بالفعل.


وقتها كنت أكتب عن حركات احتجاج حقيقية.


لم أتوقع أن يأتي الجزء المصري من القصة على يد سبونج بوب سكوير بانتس.


ولكن… ها نحن هنا.


في أغسطس، ظهرت على فيسبوك في مصر مجموعة باسم «شكاوى سكان قاع الهامور». وقاع الهامور هو الاسم العربي المستخدم لمدينة Bikini Bottom، البلدة الخيالية تحت البحر التي يعيش فيها سبونج بوب وأصدقاؤه.


الفكرة كانت عبقرية في مقدار سخافتها.


المصريون ببساطة قرروا التعامل مع Bikini Bottom باعتبارها مدينة مصرية.


وطبعاً، خلال أيام قليلة، ظهرت فيها تقريباً كل المشاكل المعتادة في أي مدينة مصرية.


شكاوى من الأسعار، وفرص العمل، والمدارس، وأصحاب العقارات، والجيران. ظهرت مشروعات ومحال. ظهر مسؤولون وهميون. تكاثرت البيانات البيروقراطية. واستخدم الناس الذكاء الاصطناعي لإعادة تخيل الحياة المصرية تحت الماء.


يبدو أنه حتى في قاع المحيط لا يوجد مهرب من الورق والختم والنسر.


ثم حدث ما حوّل المزحة إلى ظاهرة.


الناس جاءت.


وبأعداد هائلة.


وصل عدد أعضاء المجموعة إلى نحو 1.8 مليون شخص في أقل من أسبوعين، مع عشرات الآلاف من المنشورات، وانضم عدد متزايد من المشاهير والشخصيات العامة إلى اللعبة. وفي 23 أغسطس، توقفت المجموعة مؤقتاً لمدة 59 يوماً، مع الإشارة إلى 22 أكتوبر كموعد للعودة.


وهنا تحديداً دخل سبونج بوب السياسة المصرية من حيث لا يدري.


ليس لأن المجموعة كانت سياسية.


لم تكن كذلك.


لم تكن هناك دعوة للتظاهر. ولا بيان ثوري. ولا تنظيم سياسي. ولم يكن أحد يجهز «بسيط» لقيادة مسيرة إلى ميدان التحرير.


لكن ما يقرب من مليوني شخص تجمعوا، بشكل تلقائي، في مكان واحد.


لم تدعهم وزارة.


ولم ينظمهم حزب سياسي.


ولم يوفر لهم مؤتمر رسمي للشباب أتوبيسات ووجبات في علب كرتون.


بل لم يكن واضحاً أصلاً من الذي يقودهم.


وبالنسبة لنظام سياسي اعتاد أن يعرف من ينظم ماذا، هنا تبدأ منطقة عدم الارتياح.


بدأت تقارير محلية تتحدث عن قيام جهات أمنية بفحص خلفيات وتوجهات القائمين على إدارة المجموعة. وبعد الجدل، أوقف المشرفون النشاط مؤقتاً. وحتى الآن لا يوجد تأكيد رسمي بأن السلطات المصرية أمرت بإغلاق المجموعة، وسيكون من غير المسؤول الادعاء بعكس ذلك.


لكن التفسير الرسمي يكاد يصبح تفصيلاً ثانوياً أمام ما حدث بعد ذلك.


سمع المصريون أن جهات أمنية ربما تحقق في مجموعة فيسبوك مخصصة لنكات سبونج بوب، والغريب أن أحداً تقريباً لم يبدُ مصدوماً.


وهذه، بالنسبة لي، هي أكثر نقطة تستحق التأمل.


بعد اثني عشر عاماً تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، أصبحت مصر تمتلك واحداً من أكثر الأنظمة السياسية مركزية في تاريخها الحديث.


الرئاسة قوية.


الأجهزة الأمنية قوية.


المعارضة المنظمة مشتتة.


الاحتجاج في الشارع أصبح نادراً.


وجماعة الإخوان المسلمين، التي كانت في وقت من الأوقات قادرة على حشد أعداد ضخمة، تم تفكيك وجودها الداخلي كقوة سياسية مؤثرة.


هذه ليست حكومة تتشبث بالسلطة بأظافرها.


ومع ذلك، يتصرف النظام أحياناً وفق التعبير المصري القديم عن شخص بلغ به التوتر حد أنه «بيخاف من خياله».


وبعد اثني عشر عاماً، يبدو أننا أصبحنا نفتش تحت البحر أيضاً.


لكن هناك سبباً أكثر جدية يجعل «قاع الهامور» جديراً بالاهتمام.


فهو يكاد يطابق النموذج الذي كتبت عنه العام الماضي.


الجيل الجديد يتواصل أفقياً.


ينظم نفسه من دون أن «ينظم نفسه» بالمعنى التقليدي.


يحوّل الفكاهة إلى لغة يفهمها الجميع.


ويتحرك بسرعة لم تُصمم البيروقراطيات أصلاً للتعامل معها.


في تحليلي السابق، وصفت هذا بأنه «نظام تشغيل للاعتراض» يقوم على ثلاث خصائص: اللامركزية، وتحويل كل شيء إلى ميم، والسرعة.


قاع الهامور جسّد العناصر الثلاثة، من دون أن يتحول أصلاً إلى حركة احتجاجية.


وهذا تحديداً ما يجعله مثيراً للاهتمام.


لا يوجد قائد يمكن استدعاؤه.


لا يوجد هيكل تنظيمي.


لا توجد أيديولوجية لتحليلها.


لا يوجد برنامج سياسي واضح.


فقط ملايين من الناس يشتركون في نفس النكتة الرقمية.


تخيل معي كتابة التقرير الأمني.


من القائد؟


لا أحد يعرف.


أين المقر؟


قاع الهامور.


من يمول شفيق؟


جارٍ الفحص.


هل تلقى مستر سلطع تمويلاً أجنبياً؟


بصراحة، وبالنظر إلى أساليبه التجارية، الموضوع يستحق التحري.


هل بسيط له انتماءات سياسية؟


غير معلوم، وإن كانت مؤهلاته الفكرية تجعله مناسباً لعدد لا بأس به من المناصب العليا.


السخرية هنا تكتب نفسها.


أما الدرس السياسي فلا.


لسنوات، تعاملت السلطات المصرية مع مساحات واسعة من التعبير على الإنترنت من خلال عدسة أمنية وقانونية. ووثقت هيومن رايتس ووتش اعتقال أو ملاحقة ما لا يقل عن 29 من صناع المحتوى على الإنترنت خلال حملة في عام 2025، من بينهم متهمون بقضايا استخدمت فيها اتهامات فضفاضة تتعلق بالآداب العامة وقيم الأسرة.


وفي بيئة كهذه، يتعلم الناس شيئاً بسرعة شديدة.


إذا أصبح التعبير السياسي الجاد محفوفاً بالمخاطر، تبدأ المعاني السياسية في الهجرة إلى أماكن أخرى.


إلى الأغاني.


هتافات كرة القدم.


فيديوهات تيك توك.


الميمز.


السخرية.


وأحياناً تتسرب هذه المعاني إلى مساحات لم يكن القصد منها أن تكون سياسية من الأساس.


هذا لا يعني أن «قاع الهامور» كان فعلاً من أفعال المقاومة.


ولا ينبغي أن نقع في إغراء تحويل كل نكتة منتشرة على الإنترنت إلى فصل جديد من الربيع العربي.


أغلب الناس كانوا هناك لأن الموضوع مضحك.


لكن الفكاهة في مصر لم تكن يوماً مجرد ترفيه.


هي صمام ضغط، وصحيفة شعبية غير رسمية، وأحياناً وسيلة وطنية للبقاء النفسي.


المصريون يسخرون من الأشياء لأن البكاء عليها يأخذ وقتاً أطول.


وجيل «زد» حوّل هذه الغريزة إلى صناعة كاملة.


لا يحتاجون إلى مطبعة.


ولا يحتاجون بالضرورة إلى أحزاب سياسية.


يحتاجون إلى هاتف، وخوارزمية، وشيء عبثي بما يكفي لإعادة تركيبه وتحويله إلى مادة قابلة للمشاركة.


وهنا تظهر مشكلة أمام الحكومات التي تدربت على فهم التنظيم السياسي من خلال الهياكل التقليدية.


يمكنك إغلاق مقر.


يمكنك اعتقال رئيس حزب.


يمكنك منع مظاهرة.


لكن كيف تتفاوض مع «ميم»؟


كيف تحقق مع السخرية؟


ومن يوقّع وثيقة الاستسلام إذا كانت المعارضة سبونج بوب؟


السؤال الأهم، مع ذلك، هو: لماذا ينبغي لحكومة بهذه القوة والاستقرار أن تهتم أصلاً؟


الثقة السياسية لا تُقاس فقط بنتائج الانتخابات، أو بحجم الانتشار الأمني، أو بالسيطرة المؤسسية.


أحياناً تُقاس أيضاً بالقدرة على تجاهل شيء ما.


أن ترى نحو مليوني مواطن يتجمعون حول نكتة سخيفة، وتقول: ربما هم فقط… يضحكون.


ليس كل تجمع مؤامرة.


وليس كل «أدمن» ناشطاً سياسياً.


وليست كل نكتة تخفي ثورة.


وليست كل ظاهرة رقمية تستوجب طرح السؤال الأكثر رسوخاً في الحياة السياسية المصرية:


مين ورا الموضوع؟


أحياناً لا يكون هناك أحد.


وربما يكون هذا تحديداً هو ما يجعل العصر الرقمي الجديد عصياً إلى هذا الحد على الفهم بالنسبة للأنظمة السياسية القديمة.


في العام الماضي، كتبت أن جيل «زد» لا يبني الثورات بقدر ما يحاول اكتشاف أخطاء النظام وإعادة برمجته.


«قاع الهامور» يقترح شيئاً مختلفاً قليلاً.


أحياناً هم لا يحاولون إصلاح شيء أصلاً.


أحياناً هم فقط يضحكون.


لكن عندما تعتاد الدولة البحث عن معنى سياسي خلف كل تجمع لا يخضع لإشرافها، يمكن حتى للضحك أن يبدأ في إصدار صوت مريب.


وبعد اثني عشر عاماً في السلطة، ربما لم يعد السؤال المقلق هو: ماذا يفعل المصريون في قاع البحر؟


بل لماذا لا يزال من يراقبهم من فوق كل هذا القلق مما قد يطفو إلى السطح؟


مواضيع متصلة


bottom of page