top of page

نظرة من الخارج الي الداخل: لماذا تفشل الائتلافات السياسية في مصر؟

  • قبل 60 دقيقة
  • 5 دقيقة قراءة

بين ضيق المجال العام وضعف التنظيم الداخلي، تكشف أزمة الائتلافات السياسية في مصر عن حاجة ملحة إلى قواعد أوضح، وثقة أوسع، ومشروع سياسي يرتبط بحياة المواطنين لا بالشعارات وحدها.
بين ضيق المجال العام وضعف التنظيم الداخلي، تكشف أزمة الائتلافات السياسية في مصر عن حاجة ملحة إلى قواعد أوضح، وثقة أوسع، ومشروع سياسي يرتبط بحياة المواطنين لا بالشعارات وحدها.


أحمد فتحي

بقلم: أحمد فتحي


نيويورك: لأكثر من ثلاثة عقود عشت خارج مصر. أخذني عملي في السياحة والصحافة والشؤون الدولية إلى مناطق كثيرة من العالم، بين ديمقراطيات مستقرة، وتجارب انتقالية هشة، وأنظمة سياسية تحاول أن تتعلم كيف تدير الاختلاف. هذه المسافة لم تفصلني عن مصر. بالعكس، منحتني زاوية نظر مختلفة: بعيدة بما يكفي لرؤية النمط العام، وقريبة بما يكفي للشعور بثقل عادات مصرية قديمة ترفض أن تختفي بسهولة.


عندما تنفجر أزمة جديدة داخل كيان سياسي مصري، مثل الحركة المدنية الديمقراطية، لا أراها مجرد خلاف داخلي. أراها جزءًا من سؤال أكبر يطارد الحياة السياسية المصرية منذ عقود: لماذا تفشل محاولات بناء ائتلافات مستقرة بين قوى سياسية مختلفة؟


الإجابة غير مريحة، لكنها ضرورية. المشكلة ليست في الدولة وحدها، ولا في المعارضة وحدها، ولا في الأيديولوجيا وحدها. الحياة السياسية في مصر محاصرة بين مجال عام محدود، وأحزاب ضعيفة، ونقص حاد في الثقة، وخلافات شخصية، وثقافة سياسية مركزية تعيد إنتاج نفسها داخل السلطة والمعارضة معًا.


غالبًا ما يقول المسؤولون المصريون إن الدولة تمضي في مسار إصلاحي عبر الحوار الوطني، والحفاظ على الاستقرار المؤسسي، والانفتاح السياسي التدريجي في ظل ضغوط أمنية واقتصادية صعبة. هذا الطرح يجب أن يُذكر، لكنه يظل محل اختبار أمام الفجوة بين اللغة الرسمية والواقع اليومي لمشاركة سياسية محدودة.


تصف منظمة Freedom House مصر، في تقريرها لعام 2025، بأنها تُدار بصورة سلطوية، وتشير إلى أن المعارضة السياسية الفعالة تكاد تكون غير موجودة، وأن التعبير العلني عن المعارضة قد يعرّض صاحبه للملاحقة والسجن، مع قيود شديدة على حرية الصحافة والتجمع. كما أشارت منظمة العفو الدولية Amnesty International  إلى استمرار القيود على المجتمع المدني والحريات الأساسية. وتقول Human Rights Watch إن السلطات واصلت احتجاز ومعاقبة منتقدين ونشطاء سلميين.


وسيؤدي وجود مصر في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال الفترة 2026–2028 إلى زيادة هذا التدقيق. فقد انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة مصر لعضوية المجلس في 14 أكتوبر 2025، لمدة ثلاث سنوات تبدأ في 1 يناير 2026. هذه العضوية تمنح القاهرة حضورًا دبلوماسيًا مهمًا، لكنها ترفع أيضًا سقف التوقعات. والتحدي أمام مصر هو أن تثبت أن خطابها في جنيف يوازيه تحسن ملموس في الداخل.


هذه ليست تفاصيل خلفية. لا يمكن أن توجد حياة حزبية طبيعية في مناخ يخاف فيه المواطن من السياسة، ويخشى فيه الناشط من القبض عليه، وتتردد فيه الأحزاب في الحركة بسبب التكلفة الأمنية أو القانونية.


لكن ضغط الدولة، رغم أنه العامل الأثقل، لا يفسر كل شيء. حتى داخل المساحات المحدودة المتاحة، تتكرر داخل دوائر المعارضة نفسها مشكلات واضحة: مؤسسات ضعيفة، لوائح غير فعالة، اعتماد مفرط على الرموز، قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، خصومات شخصية، ضعف في تجديد الكوادر، وحساسية مفرطة تجاه النقد الداخلي.


المفارقة المؤلمة أن بعض القوى التي تطالب بالديمقراطية على مستوى الدولة لا تمارس دائمًا قواعد ديمقراطية واضحة داخل تنظيماتها. تطالب بتداول السلطة، لكنها تقاوم تداول القيادة. تطالب بالشفافية، لكنها تتخذ قراراتها في الغرف المغلقة. وهذا يهدم ثقة الناس في أي بديل سياسي مطروح.


من خارج مصر، يبدو هذا التناقض أوضح. فقد أظهرت تجارب دول أخرى أن الائتلافات لا تنجح لأن أطرافها تتفق على كل شيء، بل لأنها تتفق على قواعد وأولويات وحد أدنى من الهدف المشترك. في بولندا عام 1989، استخدمت المعارضة التي قادتها حركة “تضامن” مفاوضات المائدة المستديرة وانتخابات شبه حرة لفتح الطريق أمام حكومة ائتلافية مرتبطة بالتحول الديمقراطي. وفي تشيلي، ساعدت حملة معارضة واسعة في هزيمة أوغستو بينوشيه في استفتاء 1988، وحولت الهدف المشترك إلى مسار انتقال سياسي. وفي جنوب أفريقيا، تطلب إنهاء نظام الفصل العنصري سنوات من التفاوض، أعقبتها حكومة وحدة وطنية (1996-1994) جمعت خصوم الأمس داخل إطار سياسي واحد.


وهناك أمثلة أحدث تستحق النظر. فقد أظهرت انتخابات ماليزيا عام 2018 كيف يمكن لائتلاف معارض واسع أن يحقق أول انتقال للسلطة منذ الاستقلال، حتى لو كشفت تجربة الحكم لاحقًا عن تناقضاته الداخلية. كما أظهرت انتخابات جنوب أفريقيا عام 2024 أن فقدان حزب مهيمن لأغلبيته يجعل بناء الائتلافات ضرورة للحكم لا رفاهية سياسية. لا يمكن نسخ أي من هذه التجارب ميكانيكيًا في مصر، لكنها كلها تشير إلى درس واحد: الائتلافات تحتاج إلى أهداف، وقواعد، وقاعدة اجتماعية، وتنظيم جاد.


المشكلة في مصر أن كثيرًا من الائتلافات تبدأ بالعاطفة والاحتجاج والشعارات، لا بالبناء المؤسسي. تبدأ ببيان، وصورة جماعية، ولغة طموحة، ثم تصطدم بأسئلة لم تُحسم: من يتحدث باسم الائتلاف؟ كيف تُتخذ القرارات؟ وكيف تُدار الخلافات؟


عندما لا توجد إجابات واضحة، يتحول كل خلاف إلى أزمة وجود. ينتقل النقاش من: “ما هو الموقف السياسي الأفضل؟” إلى: “من انتصر؟ من خرج؟ من يملك الشرعية؟” عندها تتراجع السياسة، وتحل محلها معارك شخصية ترتدي ثوبًا سياسيًا.


سيكون من الظلم أن نصف هذا بأنه ميل مصري فطري إلى السيطرة. ما نواجهه هو ثقافة سياسية مركزية تشكلت عبر عقود داخل الدولة، والأحزاب، والنقابات، والمؤسسات، وحتى العائلة. أحيانًا يحمل المعارض نسخة أصغر من النظام الذي ينتقده: زعيم مركزي، دائرة ضيقة، قرارات من أعلى، وحساسية شديدة من الاعتراض.


لهذا، فإن أي محاولة جديدة لبناء ائتلاف سياسي في مصر يجب أن تبدأ بتغيير السؤال. بدلًا من أن نسأل: “من معنا؟” يجب أن نسأل أولًا: “ما المهمة المحددة التي نستطيع أن نتفق عليها؟”


مصر لا تحتاج إلى جبهة ضخمة جديدة تحاول أن تفعل كل شيء ثم تنهار عند أول خلاف جاد. ما تحتاجه هو ائتلافات أصغر وأكثر عملية، مبنية حول قضايا محددة: المحتجزون على خلفية التعبير السلمي والنشاط السياسي، ضمانات الانتخابات، حرية الإعلام، قوانين الأحزاب، العدالة الاجتماعية، التعليم، الصحة، أو الإدارة المحلية.


ائتلاف صغير له هدف واضح وآلية مكتوبة لاتخاذ القرار قد يكون أكثر فعالية من تحالف واسع يضم الجميع لكنه لا يستطيع إدارة نفسه. فالائتلاف ليس اندماجًا. هو اتفاق عمل مؤقت حول مهمة محددة.


قبل إصدار البيانات، يحتاج أي ائتلاف جديد إلى ميثاق قصير، وآلية تصويت معلنة، ومجلس تنسيقي محدود المدة، وتداول للمواقع، وآلية لحل الخلافات، وحق الأقلية في تسجيل اعتراضها. هذه هي جوهر السياسة.


كما يجب تقليل الاعتماد على الرموز الفردية. في بيئة مغلقة، عندما يتحول الكيان السياسي إلى بضعة أسماء معروفة، يصبح من السهل استهدافه أو شله أو تشويهه. المطلوب ليس نجومًا، بل شبكات: فرق قانونية، فرق إعلامية، باحثون، منظمون شباب، روابط مهنية، وقواعد محلية.

وتحتاج قوى المعارضة المصرية أيضًا إلى نقل جزء من خطابها من السياسة المجردة إلى السياسات العامة الملموسة. المواطن لا يعيش على البيانات. يعيش مع الأسعار، والصحة، والمدارس، والوظائف، والسكن، والمواصلات، والخدمات العامة. إذا لم تستطع القوى السياسية تقديم بدائل مفهومة في هذه الملفات، فستظل محاصرة داخل دائرة نخبوية ضيقة.


هذا لا يعني التخلي عن الحرية والديمقراطية. بل يعني ربطهما بالحياة اليومية. غياب المحاسبة يؤثر على سعر الدواء، وجودة المدرسة، وفرص العمل، وعدالة المحاكم، وكرامة المواطن داخل المصالح الحكومية. عندما يرى الناس هذا الربط، تتحول الديمقراطية من شعار سياسي إلى احتياج يومي.


لا توجد وصفة سهلة أو آمنة بالكامل لمواجهة القمع. لكن يمكن تقليل المخاطر من خلال الانضباط، والدعم القانوني، والرسائل الواضحة، وتوزيع الأدوار، ورفض تحويل كل خلاف داخلي إلى معركة علنية.


لا ينبغي اختزال تجربة الحركة المدنية الديمقراطية في خلافات شخصية. قيمتها الحقيقية تكمن في الأسئلة التي تفرضها علينا: كيف نبني كيانًا سياسيًا يحترم الاختلاف، ويخلق قواعد أقوى من الأفراد، ويبني الثقة بين قوى تعرف أنها مضطرة للعمل معًا؟


كمصري عاش خارج مصر لأكثر من ثلاثين عامًا، لا أرى الحل في نسخ تجارب الآخرين، ولا في جلد الذات بلا نهاية، ولا في انتظار انفراجة تأتي من أعلى. السياسة المصرية تحتاج إلى إعادة بناء من أسفل: قواعد، وثقة، وكوادر، ولغة، وبرامج.


قد يكون المجال العام ضيقًا، وقد تكون تكلفة العمل السياسي عالية. لكن هذا يجعل التنظيم الجاد أكثر ضرورة، لا أقل. السياسة في البيئات المغلقة لا تحتاج فقط إلى صوت أعلى. تحتاج إلى عقل أهدأ، ونفس أطول، وقواعد أوضح. من دون ذلك، ستظل الائتلافات المصرية تدور في الحلقة نفسها: أمل كبير، بيان مشترك، خلاف داخلي، ثم بداية جديدة من الصفر.


المصادر المشار إليها:

Amnesty International — Human Rights in Egypt

Human Rights Watch — World Report 2025:

Time Magazine — Malaysia 2018 Elections

 



bottom of page