لماذا تصمد السياسة الخارجية الاميركية رغم تغير الرؤساء
- أحمد فتحي

- قبل 5 ساعات
- 4 دقيقة قراءة


بقلم أحمد فتحي
نيويورك: لطالما افترضت ان السلطة تعمل بالطريقة التي رأيتها في مساحات واسعة من العالم. يتحدث القادة فتتحرك المؤسسات. يعلن الرؤساء فتستجيب الانظمة. كانت السلطة في كثير من التجارب التي عرفتها شخصية قبل ان تكون مؤسساتية.
نشأت في مصر، في قلب منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وهي منطقة تعج بالانظمة السلطوية والحكام المستبدين والدكتاتوريين والملكيات المطلقة، لذلك بدا هذا الافتراض طبيعيا. يتعلم الانسان مبكرا ان يكون حذرا من افعال الحكومات، وان يشكك في الروايات الرسمية، وان يقرأ ما بين السطور، وان يدرك مدى هشاشة المؤسسات حين تتركز السلطة في يد واحدة. في كثير من الانظمة السياسية، لا يكون القائد مجرد وجه للسلطة، بل يصبح هو النظام ذاته.
رافقني هذا التصور بينما تنقلت بين مصر واوروبا والولايات المتحدة، ثم لاحقا حين قادتني اسفاري الى اكثر من خمس وثمانين دولة. وقد شكل ذلك الطريقة التي افهم بها السلطة السياسية، وكيف اقيم المخاطر والمصداقية والنوايا بصورة شبه غريزية.
احتجت وقتا وقربا من التجربة الاميركية كي ادرك حقيقة تبدو بديهية لمن نشأ داخل ديمقراطية فاعلة، لكنها ليست كذلك لمن جاء من بيئات سياسية مختلفة. في الولايات المتحدة، القادة اقوياء، لكنهم ليسوا اصحاب سلطة مطلقة. النظام نفسه يضع حدودا ويفرض توازنا.
تكتسب هذه الحقيقة اهميتها اليوم، في وقت بات فيه النقاش العام يتعامل مع السياسة الخارجية الاميركية وكأنها انعكاس مباشر لشخصية من يشغل المكتب البيضاوي.
يمتلك رئيس الولايات المتحدة صلاحيات واسعة. يقود المؤسسة العسكرية، يدير الدبلوماسية، يحدد الاولويات، يعين كبار المسؤولين، ويؤثر في صورة انخراط بلاده مع العالم. حين يتحدث الرئيس، تتحرك الاسواق، وتعيد الحكومات حساباتها، وتراجع التحالفات مواقفها. هذه قوة حقيقية لا يمكن انكارها.
لكن النوايا لا تعني بالضرورة النتائج.
فكل قرار كبير في السياسة الخارجية يصطدم ببنية الحكم الاميركي المعقدة. الكونجرس يناقش ويعرقل. المحاكم تتدخل وتؤجل. المؤسسات تفسر وتقاوم. الموظفون المهنيون يؤثرون في التنفيذ. الحلفاء يتصرفون وفقا لمصالحهم لا وفقا لشعارات واشنطن. وغالبا ما تأتي النتيجة ابطأ، اكثر تعقيدا، واكثر تقييدا مما توحي به الخطابات السياسية.
هذا ليس خللا في النظام، بل هو جزء من تصميمه.
تغطية واشنطن عن بعد، ومتابعة الحكومات عن قرب، والتنقل بين بيئات سياسية مختلفة، اجبرتني على اعادة التفكير في مفهوم النفوذ السياسي. في كثير من الدول، اذا اراد الحاكم تنفيذ سياسة معينة، تنفذ ببساطة. اما في الولايات المتحدة، فالسياسة تخضع للتفاوض، والتعديل، واعادة الصياغة، واحيانا للتعطيل الكامل، قبل ان تصل الى مرحلة التطبيق.
غالبا ما ينظر الى الكونجرس بوصفه ساحة صراع حزبي، لكنه في الواقع احد اكثر الفاعلين تأثيرا في السياسة الخارجية. فهو يسيطر على التمويل، ويضع قوانين العقوبات، ويوافق على صفقات السلاح، ويصادق على التعيينات، ويمارس الرقابة. وكثيرا ما يجد الرؤساء انفسهم مقيدين بمؤسسة تشريعية ترفض الانصياع لرغباتهم. هذا القيد بنيوي لا حزبي.
وهناك طبقة اخرى كثيرا ما يساء فهمها، وهي بيروقراطية الامن القومي. الدبلوماسيون المهنيون، وضباط الاستخبارات، والمسؤولون العسكريون، والموظفون الحكوميون لا يختفون مع وصول رئيس جديد. هم باقون في مواقعهم. يكتبون التقارير، يؤطرون الخيارات، يفسرون المعلومات، ويديرون التنفيذ حتى بعد ان تخفت شعارات الحملات الانتخابية. قد يستطيع الرؤساء الضغط عليهم او تجاوزهم في بعض الملفات، لكنهم لا يستطيعون محو عقود من الثقافة المؤسسية بين ليلة وضحاها. ولهذا تبدو السياسة الخارجية الاميركية في الواقع اكثر استمرارية مما تبدو عليه في موسم الانتخابات.
المحاكم تضيف قيدا عمليا اخر. قرارات حظر الهجرة، وصلاحيات الطوارئ، وبرامج المراقبة، والعقوبات، والاوامر التنفيذية كثيرا ما تصل الى القضاء. وغالبا ما يقوم القضاة بتضييق نطاقها او تعليقها او الغائها. يحدث ذلك في ظل رؤساء من مختلف الاحزاب. هذه ليست نظرية قانونية، بل ممارسة يومية في النظام الاميركي.
ثم تأتي التحالفات. الناتو، مجموعة السبع، الاتحاد الاوروبي، اليابان، كوريا الجنوبية، شبكات تبادل المعلومات الاستخبارية، والتحالفات الاقليمية ليست مجرد متلق للسياسة الاميركية. بل هي اطراف فاعلة تشكل حدود الممكن سياسيا واستراتيجيا. تفرض كلفة على التغيرات المتهورة. وتقيد السلوك عبر المصالح المتشابكة والتوقعات المتبادلة. قد ينتقد الرؤساء حلفاءهم علنا او يلوحون بالانسحاب، لكن البنية العميقة لهذه العلاقات اثبتت مرارا انها اكثر صلابة من تقلبات الخطاب السياسي.
تتضح اهمية هذه البنية المركبة عندما تظهر اتهامات بان السياسة الخارجية الاميركية تعكس تحيز شخص واحد او رؤيته الخاصة. السؤال الجدي ليس ماذا قال الرئيس في تجمع انتخابي او مقابلة تلفزيونية، بل ماذا انتج النظام فعليا. هل تضررت التحالفات على المستوى البنيوي ام انها صمدت. هل انهارت العقوبات ام بقيت فاعلة. هل تراجعت الالتزامات العسكرية ام استمرت بفعل الزخم المؤسسي. هل حقق الخصوم مكاسب حقيقية بسبب السياسات لا بسبب الضوضاء فقط.
بحكم عيشي بين ثقافات سياسية متعددة، اعتدت ان اقارن. في كثير من الانظمة التي عرفتها عن قرب، تتحول الكلمات بسرعة الى واقع. في الولايات المتحدة، كثيرا ما تصطدم الكلمات بالبنية المؤسسية. هذا التصادم يربك الرؤساء، ويشتت الرأي العام، ويغذي التفكير التآمري، لكنه في الوقت ذاته يشكل احد اهم خطوط الدفاع في النظام.
هناك ايضا حقيقة غير مريحة. ليس من الضروري ان يخترق نظام ما من قبل قوة اجنبية حتى يخدم مصالحها. الخلل وحده قد يحقق ذلك. الاستقطاب يضعف التماسك. تآكل الثقة ينهك المؤسسات. تضارب الرسائل يربك الحلفاء. الفوضى السياسية تخلق فرصا للخصوم. روسيا والصين وغيرهما لا تحتاج الى السيطرة على صانع الفوضى، يكفيها ان تستثمر في البيئة التي تولدها.
السياسة الخارجية الاميركية ليست مثالية، وغالبا ما تتسم بالتناقض والتسييس الحاد. لكنها ليست انعكاسا لارادة رجل واحد. انها نتاج تفاعل دائم بين مؤسسات وشخصيات وقوانين وتحالفات وضغط رأي عام.
سنوات من تغطية واشنطن عن بعد، ومراقبة الحكومات عن قرب، والتنقل بين بيئات سياسية مختلفة، علمتني ان هذا الاحتكاك ليس ضعفا. بل هو احد اخر الحواجز المتبقية في وجه تركيز السلطة.
من يختزل السياسة الخارجية الاميركية في شخصية واحدة لا يصف الواقع كما هو، بل يسقط نموذجا مستمدا من انظمة تهيمن فيها القيادة على المؤسسات على نظام صمم اساسا لمنع ذلك.
والمفارقة ان هذا سوء الفهم بالذات هو ما تسعى الانظمة السلطوية الى ترسيخه في وعي العالم.
