عصر إعادة تشكيل الأنظمة السياسية بإدارة محسوبة
- أحمد فتحي

- قبل يوم واحد
- 4 دقيقة قراءة


بقلم: أحمد فتحي
نيويورك: ما يبدو فوضى في السياسة الخارجية الأميركية هو في الحقيقة تحول مدروس. واشنطن لم تعد تميل إلى مشاريع تغيير الأنظمة عبر قادة معارضين في المنفى، بل تتجه نحو مقاربة أكثر هدوءا وأشد براجماتية: انتقالات مضبوطة تقودها شخصيات من داخل النظام نفسه.
من فنزويلا إلى العراق وأفغانستان، وصولا إلى الملف الإيراني، تتكرر الصورة بوضوح: تراجع دور المعارضين الرمزيين في الخارج، وصعود أفضلية الشخصيات الداخلية التي تملك السيطرة على المؤسسات ومفاتيح الدولة.
الأمر لا يتعلق بالمثالية. بل بإدارة المخاطر.
فنزويلا: انتقال محسوب لا انقلاب جذري
بعد إقصاء نيكولاس مادورو، لم تتجه واشنطن لدعم الشخصية المعارضة الأبرز دوليا، ماريا كورينا ماتشادو. بل بدأت المؤشرات تميل نحو تقبل شخصيات مثل ديلسي رودريغيز، وهي من صلب بنية النظام ذاته.
رودريغيز لا تمثل ثورة على النظام، بل استمراريته. وهذا بالضبط ما يجعلها جذابة من منظور استراتيجي. فهي تعرف كيف تعمل الدولة، وتفهم شبكات الأمن والبيروقراطية، وتدرك توازنات القوة الداخلية. وجودها يتيح انتقالا دون انهيار مؤسسات الدولة.
المفارقة واضحة: ماتشادو تمثل انقلاب جذري، أما رودريغيز فتمثل القدرة على الضبط والسيطرة.
وهنا تكمن المعادلة الجديدة: لم يعد الهدف تحقيق ديمقراطية مثالية، بل الحفاظ على الاستقرار مع تعديل الواجهة. نظام مألوف بوجه جديد أفضل من فراغ لا يمكن السيطرة عليه.
العراق: الدرس الذي لا يغادر ذاكرة واشنطن
تجربة العراق غيرت العقل الأميركي بعمق. أُسقط صدام حسين، واعتُبر الهدف محققا. لكن ما تلا ذلك كان كارثيا.
تفكيك الدولة أطلق سنوات من الفوضى، والعنف الطائفي، وصعود الميليشيات، وهشاشة الحكم. كثير من شخصيات المعارضة العائدة من الخارج اعتُبرت أدوات أجنبية بلا شرعية داخلية. السلطة تفككت، والشرعية تآكلت.
الدرس كان قاسيا لكنه واضح: إسقاط نظام سهل. بناء دولة فاعلة أصعب بكثير.
ولا تزال هذه الصدمة حاضرة في كل نقاش أميركي جدي حول تغيير الأنظمة حتى اليوم.
أفغانستان: سقوط الشرعية المستوردة
ثم جاءت أفغانستان لتؤكد الدرس بشكل نهائي. لعشرين عاما، دعمت الولايات المتحدة نظاما سياسيا قائما على نخب منفية، وأموال أجنبية، وشرعية خارجية. صمد النظام فقط لأن القوات الأجنبية كانت تحميه.
ما إن انسحبت تلك القوات حتى انهار البناء بالكامل تقريبا بين ليلة وضحاها. طالبان، بوصفها جزءا من الواقع السياسي والاجتماعي الأفغاني، عادت إلى الحكم بسهولة مذهلة.
الخلاصة كانت واضحة: أي سلطة لا تنمو من داخل المجتمع لا تصمد بمجرد اختفاء الحماية الخارجية.
إيران: لماذا لا تثق واشنطن بقادة المنفى؟
إيران اليوم تقع في قلب هذه العقيدة الجديدة. الاحتجاجات أعادت إحياء اسم رضا بهلوي، نجل شاه إيران. رمزيته تجد صدى لدى جزء من الشتات الإيراني وبعض الشباب الغاضب في الداخل. ومع ذلك، تتجنب واشنطن دعمه بشكل صريح.
وهذا ليس صدفة.
من وجهة نظر استراتيجية، قادة المنفى يمثلون مخاطرة عالية. لا يملكون نفوذا حقيقيا داخل البلاد، يعتمدون على دعم خارجي، وغالبا ما يكتسبون شرعية مستقلة تجعل التحكم بهم صعبا بعد وصولهم للسلطة.
في المقابل، يملك “رجال الداخل” في إيران ما يهم المخططين الدوليين: فهم آليات الحكم، ومعرفة شبكات الأمن، والقدرة على إدارة التوازنات الداخلية. رجال دين براجماتيون، تكنوقراط، شخصيات مرتبطة بالمؤسسة الأمنية، ونخب سياسية من الصف الثاني. هؤلاء يقللون خطر انهيار الدولة بالكامل.
المنطق ذاته الذي يظهر في فنزويلا اليوم، هو نفسه الذي تشكل نتيجة إخفاقات العراق وأفغانستان.
عقيدة جديدة تتبلور
ما نشهده ليس تغييرا تقليديا للأنظمة، بل إعادة تشكيل للأنظمة.
المنطق بسيط وصريح:
إزالة رأس السلطة
الحفاظ على المؤسسات
تمكين شخصيات داخلية تعيد تسويق الاستمرارية باعتبارها إصلاحا
تفادي الفراغ الذي يولد الفوضى
هذه المقاربة تفضل الاستقرار على التحول الجذري. تستبدل الثورة بالتطور المحكوم. قد تكون غير مريحة أخلاقيا، لكنها قابلة للضبط سياسيا.
واشنطن لم تعد تبحث عن نتائج مثالية. بل عن نتائج يمكن التحكم بها.
ماذا يعني ذلك لمستقبل إيران؟
إذا استمر هذا الاتجاه، فإن مستقبل إيران قد يخيب آمال من ينتظرون انقلاب جذري كامل.
السيناريو الأرجح هو انتقال داخلي مُدار. تغيير يأتي من داخل النظام لا من انهياره. جيل جديد من النخب قد يعيد صياغة الحكم تدريجيا، ويعدل السياسة الخارجية، ويفتح هامشا محدودا من الانفتاح السياسي، دون تفكيك بنية الجمهورية الإسلامية. سيكون إصلاحا مضبوطا لا ثورة.
هناك أيضا احتمال بقاء النظام عبر التكيف السلطوي: إعادة تدوير النخب، تشديد القمع عند الحاجة، وتقديم تنازلات اقتصادية انتقائية. كثير من الأنظمة السلطوية تبقى لأنها تتقن فن الانحناء دون الانكسار.
أما السيناريو الأقل ترجيحا فهو الانهيار الكامل نتيجة صدمة خارجية. السلوك الأميركي الحالي يوحي بأن واشنطن تحاول تفادي هذا المسار، لأن فراغ السلطة في إيران سيكون أخطر بكثير من العراق وأفغانستان، مع تداعيات إقليمية يصعب احتواؤها.
الخلاصة: الاستقرار حل محل المثالية
من فنزويلا إلى العراق وأفغانستان، وصولا إلى إيران، الاتجاه واحد.
واشنطن لم تعد تثق في معارضي المنفى كأداة لتحقيق استقرار سياسي. باتت تفضل شخصيات من داخل الأنظمة قادرة على إدارة الاستمرارية مع تغيير الشكل. الأولوية لم تعد الديمقراطية المثالية. الأولوية أصبحت القدرة على السيطرة.
هذه الاستراتيجية قد تحقق استقرارا قصير المدى. لكنها تحمل مخاطر بعيدة المدى. المجتمعات لا تقبل إلى الأبد بإعادة تدوير النخب ذاتها. الانتقالات المُدارة غالبا ما تؤجل الانفجار السياسي بدل أن تعالجه.
لهذا، فإن مستقبل إيران لن يُرسم على الأرجح عبر ملك عائد من المنفى أو زعيم يُفرض من الخارج، بل عبر صراعات داخلية بين قوى من قلب النظام نفسه تسعى إلى إعادة تعريف المرحلة القادمة.
قد يكون هذا المسار أقل درامية من الثورة، لكنه الأقرب إلى المنطق الذي يحكم السياسة الأميركية اليوم.
