top of page

اختبار جديد يواجه الأمم المتحدة في عصر الذكاء الاصطناعي

  • صورة الكاتب: أحمد فتحي
    أحمد فتحي
  • 00false18 GMT+0000 (Coordinated Universal Time)
  • 3 دقيقة قراءة
غوتيريش يحذر من تسارع الذكاء الاصطناعي وتراجع قدرة الحوكمة الدولية
غوتيريش يحذر من تسارع الذكاء الاصطناعي وتراجع قدرة الحوكمة الدولية
 احمد فتحي

بقلم احمد فتحي


الأمم المتحدة- نيويورك: عندما سألت الامين العام للأمم المتحدة عما اذا كانت الحكومات لا تزال تسيطر على تكنولوجيا قادرة على تشكيل الانتخابات والصراعات جاء رده مباشرا على غير العادة. قال ان الامم المتحدة لا تملك نفوذا فعليا. لديها اليات ومنصات واجراءات لكنها لا تملك القدرة على فرض النتائج.


لم تكن اهمية تلك اللحظة في عنصر المفاجأة بقدر ما كانت في صراحتها. فقد عبرت بوضوح عما تعترف به حكومات ومؤسسات كثيرة بهدوء: الذكاء الاصطناعي يتقدم بوتيرة اسرع من النظم السياسية والقانونية المصممة للإشراف عليه.


ما تلا لم يكن دعوة الى تنظيم شامل بل توصيفا واقعيا للحدود. فقد شرح الامين العام ما تستطيع الامم المتحدة القيام به فعليا في مجال الذكاء الاصطناعي. يمكنها جمع الخبراء وانشاء لجان علمية واصدار تقييمات وعقد حوارات عالمية. هذه جهود مهمة لكنها لا تصل الى مستوى الانفاذ. انها هياكل حوكمة بلا سلطة فرض.


هذا الفارق يقع في صلب الجدل العالمي حول الذكاء الاصطناعي. فالأمم المتحدة تسعى لبناء فهم مشترك ولغة مشتركة حول الذكاء الاصطناعي لا لوضع قواعد ملزمة مصحوبة بعقوبات. هذا الخيار يعكس الواقع السياسي اكثر مما يعكس ضعفا مؤسسيا. فالدول مترددة في التخلي عن السيطرة في مجال يرتبط مباشرة بالأمن القومي والمنافسة الاقتصادية والقوة الاستراتيجية. ونتيجة لذلك تجد الامم المتحدة نفسها تصوغ النقاش بدلا من حسم نتائجه.


الفجوة بين الطموح والسلطة باتت واضحة في الجهود الاخيرة للأمم المتحدة في هذا المجال. فقد ركزت البيانات والقرارات على الاخلاقيات والشمول والتعاون مع تجنب متعمد لالتزامات قد تقيد الدول او الشركات القوية. ما ينتج عن ذلك هو نظام قادر على تسليط الضوء على المخاطر وصياغة المعايير لكنه عاجز عن فرض التغيير عندما يختار اللاعبون الاكثر نفوذا المقاومة.


وعندما طرح عليه سؤال حول شكل الضوابط الفعلية ركز الامين العام على فكرة اساسية واحدة: الوكالة البشرية. شدد على ضرورة بقاء البشر اصحاب القرار خاصة عندما تكون الارواح على المحك. ورفضه للأسلحة الذاتية التي تقرر من تقتل واين ولماذا كان من اوضح الخطوط الاخلاقية التي رسمها خلال المؤتمر الصحفي.


اما حديثه عن تصاعد نفوذ شركات التكنولوجيا فجاء كاشفا بطريقته الهادئة. فقد اشار الى ان التنظيم هو في النهاية مسؤولية الحكومات. قد تحتاج قوانين المنافسة والاحتكار الى تحديث لتواكب العصر الرقمي لكن الانفاذ لن يأتي من الامانة العامة للأمم المتحدة. ان جاء فسيأتي من العواصم الوطنية.


وتحت هذه الاجابات برزت ملاحظة اوسع حول طبيعة القوة نفسها. فالقوة اليوم لم تعد تقاس فقط بالأرض او الجيوش او حتى حجم الاقتصاد. بل باتت ترتبط بشكل متزايد بالبيانات وبمن يسيطر على النظم التي تجمعها وتعالجها وتستخدمها. هذا التحول ينقل النفوذ تدريجيا من المؤسسات العامة الى الفاعلين الخاصين بوتيرة اسرع مما تستطيع القواعد والمؤسسات العالمية مجاراته.


وهذا يثير اكثر من اسئلة تنظيمية. انه يثير اسئلة حول الشرعية. فعندما تتخذ قرارات تؤثر في مجتمعات كاملة عبر خوارزميات صممت خارج الرقابة الديمقراطية تبدأ مفاهيم المساءلة التقليدية في التآكل. ولم يعرض الامين العام هذا الامر كمؤامرة او انهيار اخلاقي بل كاختلال بنيوي لم تنجح المؤسسات الحالية بعد في فهمه ناهيك عن معالجته.


ويضاف الى ذلك تحد لم يحسم بعد يتعلق بالعدالة. فالكثير من الدول لا تملك الموارد او القدرات اللازمة لصياغة سياسات الذكاء الاصطناعي او للاستفادة الكاملة من عوائده. ومن دون استثمار مستمر في المهارات والبنية التحتية والمؤسسات قد تتحول الحوارات العالمية الى نقاشات يهيمن عليها من يملكون بالفعل اكبر قدر من القوة. فالحوكمة بلا موارد لا تضيق الفجوات بل توسعها.


وبصورة عامة قدم هذا التبادل صورة واضحة لموقع الامم المتحدة في ملف الذكاء الاصطناعي. فهي لا تزال ساحة لتسمية المخاطر وصياغة القيم ومناقشة المعايير لكنها ليست مكانا لفرض النتائج. ولم يحاول الامين العام اخفاء هذه الحقيقة بل بدت صراحته لافتة.


ويبقى السؤال المفتوح هو ما اذا كان نظام صمم للجمع والتحذير وتقديم النصح قادرا على التطور ليصبح مؤثرا في السلوك الفعلي. وحتى الان يعكس نهج الامم المتحدة في الذكاء الاصطناعي حقيقة اوسع في النظام العالمي: القوة تتحرك اسرع من القانون والمؤسسات تكافح للحاق بها.

bottom of page