من يملك حق انتقاد الكنيسة في مصر؟
- قبل 50 دقيقة
- 5 دقيقة قراءة

.

بقلم: أحمد فتحي
نيويورك سيتي: عاد الكاتب المصري باسم الجنوبي إلى بيته. المفترض أن يكون ذلك خبراً جيداً. لكنه لا يجيب عن السؤال الذي أثاره القبض عليه. بل ربما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: من يحق له أن ينتقد الكنيسة في مصر؟ وإلى أي مدى يمكن أن يصل هذا النقد قبل أن يتحول خلاف حول الكلمات إلى قضية تدخل فيها الشرطة؟
باسم الجنوبي، واسمه القانوني باسم وهبة مكاري، أُلقي القبض عليه بعد بلاغ اتهمه بالإساءة والتشهير بالأنبا أغاثون، أسقف مغاغة والعدوة في المنيا، عبر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي كان يديرها.
ولفترة سبقت ظهوره أمام النيابة، قال أصدقاء ومؤيدون إن مكان وجوده لم يكن معلوماً، واعتبروا أنه تعرض للاختفاء القسري. وهذا ادعاء يحتاج بطبيعة الحال إلى تحقق مستقل. لكن بيان وزارة الداخلية نفسه الصادر في 21 أغسطس أكد أنه كان قد أُلقي القبض عليه بالفعل، وأنه كان لا يزال «جارياً عرضه» على النيابة العامة.
وقالت الوزارة إن محامياً عن أحد أساقفة المنيا تقدم ببلاغ يتهم فيه الجنوبي بتعمد الإساءة والتشهير بموكله عبر صفحتين على مواقع التواصل الاجتماعي. وأضاف البيان أن الشرطة ألقت القبض عليه، وأنه أقر بما نُسب إليه.
هذه رواية الشرطة.
وليست حكماً بالإدانة.
وفي 22 أغسطس، قررت النيابة إخلاء سبيل الجنوبي على ذمة التحقيق في القضية رقم 16368 لسنة 2026 جنح بولاق الدكرور. وأعلن محاميه سعيد فايز أن مقدم البلاغ هو الأنبا أغاثون. ولا يزال هاتف الجنوبي المحمول محتجزاً كحرز على ذمة التحقيق.
باسم أصبح حراً.
أما السؤال فلم يتحرر بعد.
هل الأسقف فوق النقد؟
لم يكن باسم الجنوبي يكتب متخفياً من زاوية مجهولة على الإنترنت.
كان يكتب علناً وباسمه، ويتناول شؤون الكنيسة والإدارة الرعوية وما كان يعتبره أوجه قصور داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
ومن حق الناس أن يرفضوا أسلوبه.
ومن حقهم أن يروه ظالماً أو مستفزاً أو ببساطة مخطئاً.
والأنبا أغاثون له حقوق أيضاً.
فإذا كان الجنوبي قد نشر اتهامات واقعية كاذبة أضرت بسمعة الأسقف، فمن حق الأنبا أغاثون أن يواجهها بالقانون.
حرية التعبير لا تعني حرية اختلاق الوقائع.
لكن السلطة الدينية أيضاً لا تعني الحصانة من النقد.
الأسقف لا يفقد حقوقه لأنه يرتدي الزي الكهنوتي.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يفقد المواطن جزءاً من حقوقه لأن الشخص الذي ينتقده يرتدي هذا الزي.
يُفترض أن تكون هذه بديهية.
لكن الواضح أنها ليست كذلك دائماً.
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية واحدة من أهم المؤسسات في مصر. كما أنها تحمل جراح عقود طويلة من التمييز والعنف الطائفي والإرهاب. وقد دفع مسيحيون مصريون حياتهم ثمناً لإيمانهم، ولا يجوز التعامل مع هذا التاريخ بخفة أو إنكاره.
لكن حماية جماعة عانت من الاستهداف شيء، وتحويل قيادتها إلى سلطة محصنة من المساءلة شيء آخر تماماً.
الكنيسة أقوى من أن يهزها النقد.
وينبغي أيضاً أن تكون قوية بما يكفي لكي ترد عليه.
سؤال رعوي قبل أن يكون قانونياً
هناك جانب آخر في هذه القضية ينبغي أن يسبب قدراً من عدم الارتياح داخل المجتمع المسيحي نفسه.
فالأسقف لا يمارس سلطة إدارية فقط.
هو يعظ.
ويتحدث عن التواضع والغفران والخدمة والتضحية ومحبة الأعداء.
ومن على منابر الكنائس القبطية يسمع المؤمنون تعاليم المسيح عن أن من لطمك على خدك، فأدر له الآخر.
وهنا يصبح من المشروع توجيه سؤال أخلاقي مباشر إلى الأنبا أغاثون نفسه:
كيف يعظ الأسقف شعبه باحتمال النقد، إذا كان رده هو نفسه على النقد بلاغاً قانونياً ينتهي بأحد أبناء رعيته في قبضة الشرطة؟
هذا ليس تهكماً على المسيحية.
بل على العكس.
إنه أخذ تعاليم المسيحية على محمل الجد.
الكهنوت، في جوهره، يفترض أن يكون خدمة وأبوة، لا سلطة تمارس فوق رؤوس الناس.
وإذا كان الأسقف يطلب من شعبه قبول التصحيح والنقد والألم بتواضع، فلا يمكن أن تتحول مراجعة سلوكه هو إلى نوع من التجديف أو المساس بالمقدسات.
قد يكون الأنبا أغاثون قد تعرض للظلم.
وإذا كان ذلك صحيحاً، فمن حقه العدالة.
لكن العدالة شيء، والحصانة شيء آخر.
ثم دخلت الدولة إلى الغرفة
ومع ذلك، فإن الطرف الأكثر إثارة للقلق في هذه القصة ليس الكنيسة.
بل الدولة.
كان من حق محامي الأنبا أغاثون أن يتقدم ببلاغ.
لكن السلطات المصرية هي التي اتخذت قرار القبض على باسم الجنوبي.
وهنا تنتقل القضية مباشرة من خلاف كنسي في المنيا إلى جنيف.
مصر اليوم عضو في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بعد انتخابها من الجمعية العامة في أكتوبر 2025 لولاية مدتها ثلاث سنوات تمتد من يناير 2026 إلى نهاية 2028.
وقد رحبت القاهرة بهذا الانتخاب باعتباره اعترافاً دولياً.
حسناً.
لكن الاعتراف يأتي معه التدقيق.
لا تستطيع مصر أن تستخدم مقعدها في مجلس حقوق الإنسان كدليل على الثقة الدولية، ثم تتعامل مع الأسئلة حول ما يحدث للمنتقدين في الداخل باعتبارها تدخلاً عدائياً.
على مدار سنوات، وعدت مصر الحكومات الغربية والاتحاد الأوروبي وهيئات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني بأن الإصلاح جارٍ.
كانت هناك الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.
وعفو رئاسي.
وحوار وطني.
وإغلاق قضية التمويل الأجنبي الشهيرة ضد منظمات المجتمع المدني.
والآن يجري الإعداد لاستراتيجية وطنية جديدة لحقوق الإنسان للفترة من 2026 إلى 2031.
وفي الوقت نفسه، يكرر الاتحاد الأوروبي أن حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون عناصر أساسية في علاقته بمصر، كما شجعت وثائق أوروبية هذا الصيف مشاركة حقيقية للمجتمع المدني المستقل وللجهات الأممية في إعداد الاستراتيجية الجديدة.
لكن منظمات حقوقية مصرية ودولية لا تزال تقول إن كل هذه الوعود لم تنتج تحسناً جوهرياً، وتشير إلى استمرار الاحتجاز التعسفي، وتضييق المجال العام، والضغوط على الصحفيين، واتهامات بالاختفاء القسري.
وقالت مجموعة من المنظمات في يونيو إن عامين من الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ومصر لم يؤديا إلى تقدم حقيقي في حقوق الإنسان أو سيادة القانون.
وفي مرحلة ما، لا تعود الاستراتيجيات الجديدة مطمئنة.
وفي مرحلة ما، يصبح المطلوب من القاهرة أن تُنجز، لا أن تعد فقط.
حقوق الإنسان يجب أن تحتمل النقد
لن تحدد قضية باسم الجنوبي وحدها سجل مصر بالكامل في حقوق الإنسان.
وربما تكون هذه بالضبط هي أسباب أهميتها.
من السهل الدفاع عن حقوق الإنسان في الخطب، طالما أن أحداً من أصحاب النفوذ لم ينزعج.
القيمة الحقيقية لهذه الحقوق تظهر عندما يكتب شخص شيئاً يثير الغضب.
عندما ينتقد رئيساً.
أو وزيراً.
أو شيخاً.
أو أسقفاً.
الرد الصحيح على الصحافة السيئة هو صحافة أفضل.
والرد على رأي ظالم هو التفنيد.
والتشهير، إذا ثبت، له وسائل قانونية لمعالجته.
لكن المجتمع الذي يستدعي سلطة الشرطة بشكل شبه تلقائي كلما نشب خلاف حول النقد لا يصنع مجرد قضية جنائية واحدة.
هو يصنع الخوف.
مصر تطلب من شركائها الغربيين ومنظمات المجتمع المدني والأمم المتحدة أن يصدقوا أنها تفتح صفحة جديدة في ملف حقوق الإنسان.
إذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي للمصري أن يحسب قبل أن يتكلم أي المؤسسات يستطيع انتقادها وأيها لا يستطيع.
ولا ينبغي للمؤسسات الدينية نفسها أن تطلب مثل هذه الحماية.
من حق الكنيسة أن تدافع عن نفسها.
لكن ليس من حقها أن تطالب بألا تُسأل.
باسم الجنوبي في بيته الليلة.
هاتفه ما زال لدى السلطات.
والتحقيق ما زال مفتوحاً.
لكن السؤال الأكبر لم يعد يخص باسم وحده:
من يملك حق انتقاد الكنيسة في مصر؟
في بلد يأخذ حقوق الإنسان بجدية، يفترض أن تكون الإجابة بسيطة:
الجميع.
