مصر تبني باسم الشعب... والشعب يدفع الفاتورة
- قبل 3 ساعات
- 5 دقيقة قراءة

بقلم: أحمد فتحي
نيويورك: في مصر، التنمية في كل مكان. يمكنك أن تقود سيارتك فوقها، وتعبرها، وتلتقط لها الصور من الجو. تتجسد في الكباري والطرق السريعة والمدن الجديدة والافتتاحات الرئاسية، وفي عاصمة إدارية جديدة تنهض من قلب الصحراء.لكن ما يصعب تصويره هو الأسرة التي تقف في السوبر ماركت وتتساءل: ماذا نعيد إلى الرف؟ والمتقاعد الذي يحسب ثمن الدواء قبل شرائه، والأسرة من الطبقة المتوسطة التي تراقب مدخراتها وهي تتآكل، والشابان اللذان يؤجلان الزواج لأن المستقبل أصبح أغلى من قدرتهما عليه.
هذه أيضاً حكاية التنمية.
أو ربما، بصورة أدق، هذه هي النتيجة عندما تُصمم التنمية من أعلى إلى أسفل، بينما تُدفع فاتورتها من أسفل إلى أعلى.
في 23 سبتمبر، يجتمع قادة ومسؤولون دوليون في مقر الأمم المتحدة بنيويورك لإحياء الذكرى الأربعين لإعلان الحق في التنمية. سنسمع كلمات عن الكرامة والمساواة والمشاركة وعدم ترك أحد خلف الركب.
ولا بد أن تكون مصر جزءاً من هذه المناقشة.
ليس لأن مصر لم تبنِ.
لقد بنت الكثير.
لكن السؤال الأصعب هو: هل أُتيحت للمصريين أصلاً فرصة أن يحددوا ماذا يعني التقدم بالنسبة إليهم؟
قبل أربعين عاماً، وضعت الأمم المتحدة الإنسان في قلب عملية التنمية. لم يكن المطلوب أن يكون المواطن مجرد متلقٍ لما تقرره الدولة، بل أن يشارك في التنمية ويسهم فيها ويستفيد منها.
وهنا تحديداً يصبح السجل المصري أكثر إحراجاً.
في مصر، كثيراً ما جرى إعلان قرارات التنمية للمواطنين بدلاً من مناقشتها معهم. الدولة تختار، والدولة تقترض، والدولة تبني، ثم تأتي التفسيرات لاحقاً. وعندما يسأل المواطنون عن الأولويات، فليس هناك بالضبط حوار وطني مفتوح ينتظر أسئلتهم.
سنوات من الاعتقالات والقيود والضغوط السياسية أضعفت المعارضة المصرية. والمجتمع المدني المستقل ظل سنوات يكافح من أجل مجرد مساحة يستطيع أن يعمل داخلها. واجهت المنظمات غير الحكومية قوانين مقيدة وتحقيقات وقيوداً على التمويل، بينما يعمل الصحفيون في بيئة قد تكون فيها للكلمة الناقدة عواقب. أما الأحزاب السياسية فتتحرك داخل حدود يعرفها الجميع، حتى لو لم تكن مكتوبة دائماً على الورق.
ثم نتحدث عن «التنمية التشاركية».
مشاركة مَن بالضبط؟
بناء بلد من دون أن تسأل أهله
لا يوجد خلاف جاد على أن مصر كانت بحاجة إلى بنية أساسية أفضل. بلد يتجاوز عدد سكانه مئة مليون نسمة كان بحاجة إلى طرق ووسائل نقل وكهرباء وإسكان وامتداد عمراني.
لكن السؤال الحقيقي يتعلق بالأولويات.
من قرر أي المشروعات يجب أن يأتي أولاً؟ ومن قرر السرعة التي يجب أن تُنفذ بها؟ ومن حدد حجم الديون المقبول؟ وما الذي كان يمكن أن ينتظر؟ والأهم: أين كان يستطيع المواطن المصري العادي أن يعترض بصورة مؤثرة على هذه الخيارات؟
التنمية ليست مجرد عملية هندسية أو فنية.
إنها سياسية أيضاً.
كل قرار إنفاق ضخم يقول شيئاً عن مَن يملك القوة. وكل موازنة تكشف لنا أي الاحتياجات تعتبرها الدولة عاجلة، وأيها يمكن أن ينتظر. وكل عملية إصلاح اقتصادي تكشف في النهاية مَن الذي سيتحمل الألم.
وفي مصر، وصل جانب كبير من هذا الألم إلى البيت.
فقد الجنيه جانباً كبيراً من قيمته. ارتفعت الأسعار بقوة. تراجعت القدرة الشرائية. وأصبحت أشياء كانت الطبقة المتوسطة تعتبرها في السابق جزءاً عادياً من حياتها تحتاج اليوم إلى حسابات دقيقة: عشاء خارج المنزل، تعليم خاص، علاج، تغيير جهاز منزلي، مساعدة الأبناء على الزواج، أو حتى ادخار أي مبلغ للمستقبل.
هذه ليست رفاهيات مجردة.
إنها المقاييس الصغيرة التي يحكم بها الناس على حياتهم: هل يتقدمون أم يتراجعون؟
يمكنك أن تقول للمواطن إن الاقتصاد يتحسن. ويمكنك أن تخبره بأن الاحتياطيات أصبحت أقوى، أو أن مؤسسة مالية دولية وافقت على مراجعة جديدة لبرنامج الإصلاح.
لكنه في النهاية سيعود إلى بيته ويفتح الثلاجة.
وهناك تحديداً تلتقي النظريات الاقتصادية بالواقع السياسي.
الطلب الذي لا ينتهي: اصبروا
منذ سنوات، يسمع المصريون نسخاً مختلفة من الرسالة نفسها: اصبروا. الإصلاحات ضرورية. الألم مؤقت. التضحيات ستؤتي ثمارها. سيأتي النمو. ستأتي الاستثمارات. ثم سيأتي الرخاء.
وبعض هذه الحجج مشروع بالفعل.
مصر لم تبدأ الحرب في أوكرانيا. ولم تبدأ الحرب في غزة. وبالتأكيد لم تبدأ الحرب المرتبطة بإيران التي هزت الخليج، وأربكت أسواق الطاقة، ووضعت بعض أهم طرق الملاحة في العالم تحت ضغوط جديدة.
وبالنسبة إلى مصر، لا تقع هذه الحرب الأخيرة في مكان بعيد وآمن على الخريطة. آثارها تصل إلينا عبر أسعار النفط والغاز، وقرارات الاستثمار، وتكاليف التأمين، والبحر الأحمر، ومضيق هرمز، وخطوط الملاحة التي يعتمد عليها الاقتصاد المصري.
مصر تدفع بالفعل ثمن حروب لم تبدأها.
وهذا يجب الاعتراف به.
لكن لا يجوز أن يتحول إلى التفسير الجاهز لكل ما يعانيه المصريون في الداخل.
الأزمات الخارجية لم تصمم النموذج الاقتصادي المصري. ولم تحدد أولويات الإنفاق. ولم تقرر حجم الديون المقبول أو أي المشروعات العملاقة لا يمكن أن ينتظر.
كما أنها لم تقيد المنافسة السياسية، ولم تغلق المجال العام، ولم تضعف الرقابة المستقلة، ولم تجعل مهمة المجتمع المدني في مساءلة قرارات الحكومة أكثر صعوبة.
هذه كانت خيارات داخلية.
والفارق مهم.
فالاقتصاد القادر على الصمود لا ينبغي أن يعني فقط اقتصاداً يستطيع النجاة من الحرب المقبلة، أو صدمة جديدة في أسعار النفط، أو اضطراب آخر في قناة السويس.
ينبغي أيضاً أن يكون اقتصاداً لا يحول المواطن العادي في كل مرة إلى ممتص دائم للصدمات.
لأن كل أزمة، عندما تنتهي عند المائدة نفسها في بيت مصري — بطعام أغلى، وطاقة أغلى، ومواصلات أغلى، وقدرة شرائية أقل — فإن كلمة «الصمود» يصبح لها معنى مختلف تماماً بحسب الجانب الذي تجلس عليه من تلك المائدة.
وهنا تصبح المعاناة الاقتصادية جزءاً لا ينفصل عن المساءلة السياسية.
في المجال العام السليم، تعترض أحزاب المعارضة على أولويات الإنفاق. الصحفيون يحققون. المجتمع المدني يطعن في القرارات. البرلمان يطالب بإجابات. الخبراء يختلفون علناً. الناس ينظمون أنفسهم. والحكومة تغير مسارها أحياناً.
وعندما تُضعف هذه المسارات، لا تختفي السياسات السيئة.
يصبح الاعتراض عليها أصعب فقط.
وربما تكون هذه إحدى أقل كُلف الحكم السلطوي نقاشاً.
فالمشكلة ليست حقوقية فقط.
قد تتحول أيضاً إلى مشكلة اقتصادية.
مصر الصورة... ومصر مائدة الطعام
يمكن القول إن هناك، بشكل ما، مصرين.
الأولى واضحة جداً: طرق سريعة جديدة، ومدن جديدة، وإنشاءات ضخمة ومشروعات قومية كبرى. نراها في الفيديوهات الرسمية. تبدو حديثة. تبدو طموحة.
أما مصر الأخرى فتجلس حول مائدة الطعام.
تتحدث عن الأسعار، ومصاريف المدارس، والدواء، والإيجار، وسعر اللحمة، وقيمة المرتب. تتساءل إن كان الابن يجب أن يسافر بحثاً عن مستقبل في الخارج، وإن كانت الابنة تستطيع تحمل تكاليف الزواج، وإن كانت مدخرات التقاعد ستظل لها قيمة بعد خمس سنوات.
هذه مصر التي نادراً ما تظهر في عروض التنمية الرسمية.
لكنها مصر التي تهم أكثر.
فالحق في التنمية الذي لا يحسن أمن المواطن العادي وكرامته يتحول مع الوقت إلى مجرد شعار.
أما التنمية من دون مشاركة، فقد تتحول إلى شيء أكثر إثارة للقلق: مشروع يُنفذ باسم الناس، من دون أن يكون لهم نصيب حقيقي في ملكية القرارات أو في تحديد تبعاتها.
من يملك حق إعلان النجاح؟
المؤسسات المالية الدولية تتحمل جانباً من المسؤولية أيضاً. فهي تقيس الديون والعجز ومرونة سعر الصرف والاحتياطيات وأهداف الإصلاح.
وكل هذه أمور مهمة.
لكن هناك شيئاً ناقصاً أخلاقياً في وصف برنامج للإصلاح الاقتصادي بأنه ناجح بينما لا تزال الأسر تمتص كلفة هذا الإصلاح.
ناجح بالنسبة إلى مَن؟
الحكومات تقيس الاقتصاد من داخل الوزارات.
المقرضون يقيسونه عبر جداول البيانات.
أما الناس فيقيسونه في السوبر ماركت.
وأحياناً لا تلتقي هذه الصور الثلاث للواقع.
كان من المفترض أن يسد إعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية هذه الفجوة. فقد وضع الإنسان في قلب التنمية.
لا الدولة.
ولا المُقرض.
ولا المشروع العملاق.
الإنسان نفسه.
حق... وليس منحة من الحكومة
عندما يجتمع القادة في نيويورك في سبتمبر، سيكون بإمكان مصر أن تشير إلى إنجازات حقيقية.
ومن حقها أن تفعل ذلك.
لكن يجب أيضاً طرح أسئلة أكثر صعوبة.
هل يمكن وصف التنمية بأنها تشاركية عندما تكون المشاركة السياسية الحقيقية مقيدة؟ وهل يمكن وصفها بأنها تتمحور حول الإنسان عندما يُعامل المجتمع المدني باعتباره مصدر تهديد؟ وهل يستطيع المواطنون فعلاً التأثير في مسار التنمية عندما تكون المعارضة ضعيفة والأصوات المستقلة تحت الضغط؟
وهل يحق لحكومة أن تحتفل بنجاح نموذجها التنموي بينما يتحمل المواطنون جانباً كبيراً من تكلفته، ولا يملكون سوى تأثير محدود في القرارات التي أنتجته؟
هذه ليست أسئلة معادية للتنمية.
بل هي تحديداً الأسئلة التي وُجد مفهوم «الحق في التنمية» من أجل طرحها.
لقد تغيرت مصر كثيراً. تغيرت الطرق. تغير خط الأفق. تغيرت قيمة العملة. تغير الاقتصاد. وتغير المجال السياسي أيضاً.
وبالنسبة إلى ملايين المصريين، أصبحت الحياة اليومية أكثر صعوبة.
لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي، بعد أربعين عاماً، هو ما إذا كانت مصر قد شهدت تنمية.
بالتأكيد شهدتها.
السؤال هو:
لصالح مَن كانت هذه التنمية؟
وإذا كان مطلوباً من المصري العادي أن يدفع ثمنها، وأن يضحي من أجلها، وأن يعيش مع نتائجها، فمتى بالضبط أُعطي الحق في أن يشارك في تعريفها من الأساس؟
.
