تحول هادئ في تحالفات مضيق هرمز بعد لقاء ترامب وتاكايتشي
- قبل 4 أيام
- 4 دقيقة قراءة


بقلم: أحمد فتحي
نيويورك ـ لم يبدأ التحول في تحالفات مضيق هرمز مع نشر اسطول بحري في الممر المائي، بل بدأ بلقاء سياسي. فعندما استضاف الرئيس الاميركي دونالد ترامب رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الابيض، كان السؤال المطروح واضحا: هل سيدفع الحلفاء بثقلهم الى مضيق هرمز؟ لكن ما خرج من اللقاء لم يكن جوابا مباشرا، بل امرا اكثر اهمية: تقاربا هادئا لكنه ملموسا بين اليابان وعدد من القوى الاوروبية الرئيسية مع المنطق الاستراتيجي لواشنطن بشأن هرمز، من دون تحمل كامل للكلفة السياسية للحرب.
وهنا تكمن المسألة.
رسالة ترامب كانت حادة، حتى بمقاييسه المعهودة: الدول التي تعتمد على مضيق هرمز في امنها الطاقوي ينبغي ان تسهم في تأمينه. وكانت اليابان بطبيعة الحال في دائرة الضغط، وكذلك الاوروبيون. ولكل طرف اسبابه للتردد. فاليابان لا تزال مقيدة بسقوف قانونية صارمة تحد من استخدام القوة خارج اراضيها، فيما لم تكن اوروبا مستعدة للانخراط في حملة اميركية اسرائيلية آخذة في الاتساع. قبل القمة، كان موقف طوكيو يقوم على الحذر، والالتزام بالقيود القانونية، ورفض الانضمام الى اي مهمة مرافقة بحرية.
لكن واشنطن غيرت قواعد المشهد.
اليابان لم تعلن ارسال قطع بحرية. ولم تنضم الى اسطول مرافقة تقوده الولايات المتحدة. ولم تتخل عن حذرها القانوني. لكنها فعلت شيئا اكثر فائدة سياسيا لواشنطن: تبنت بدرجة اكبر الاطار الاميركي لفهم الازمة. انتقلت طوكيو من موقف يكاد يقول: "هذه ليست حربنا"، الى موقف يقول: "هذه تهديد خطير للملاحة وامن الطاقة، وسننسق بشكل وثيق مع الولايات المتحدة". وفي حسابات التحالفات، هذا ليس مجرد تبديل لغوي، بل تحول سياسي فعلي.
التقارير اليابانية اوضحت ان تاكايتشي كانت تسير على حبل مشدود: تحاول تفادي صدام مع واشنطن، من دون تجاوز القيود القانونية او السياسية الداخلية في بلادها. وفي الوقت نفسه، كانت طوكيو تنظر الى الخريطة الاوسع. فقلق اليابان الاعمق لم يكن هرمز بحد ذاته، بل الخشية من ان يؤدي انشغال الولايات المتحدة عسكريا في الشرق الاوسط الى استنزاف اهتمامها ومواردها بعيدا عن آسيا، بما يضعف الردع في مواجهة الصين. لذلك لم تكن هذه مجرد محادثة عن الخليج، بل كانت في جوهرها محادثة عن المحيطين الهندي والهادئ، وان ارتدت لباس الخليج.
اما اوروبا، فسلكت مسارا مشابها، وان بطريقتها المعتادة التي توحي بوحدة اكبر مما هو قائم فعليا. كان الانطباع الاول في العواصم الاوروبية يميل الى الحذر، بل الى ما يشبه المقاومة الصامتة. وجرى بحث ما اذا كان ينبغي تعديل الوضعية البحرية للاتحاد الاوروبي، لكن لم تكن هناك شهية حقيقية للانخراط المباشر في الحرب. فقد ادرك المسؤولون الاوروبيون حجم المخاطرة: حين يرتبط امن الملاحة بحملة قصف نشطة، يمكن لمهمة مرافقة بحرية ان تتحول بسرعة مريبة الى مهمة قتالية.
ثم جاء البيان.
بريطانيا وفرنسا والمانيا وهولندا واليابان، الى جانب اطراف اخرى، ابدت استعدادها للمساهمة في ما وصف بأنه "الجهود المناسبة" لتعزيز الامن في مضيق هرمز. وهذه العبارة قامت بكل العمل السياسي المطلوب. فهي واسعة بما يكفي لطمأنة واشنطن، وفضفاضة بما يكفي لتحمي كل عاصمة من تبعات الافصاح الزائد. فـ"الجهود المناسبة" قد تعني التخطيط، او المراقبة، او الدعم اللوجستي، او تبادل المعلومات الاستخباراتية، او تنفيذ العقوبات، او تنسيق الطاقة، او حتى لاحقا، وتحت غطاء افضل، نشرا بحريا. لقد كانت الصياغة المقصودة غموضا محسوبا، وفي هذه الحالة كان الغموض نفسه سياسة.
لكن بريطانيا ذهبت ابعد من اوروبا القارية. فقد سمحت لندن باستخدام القواعد البريطانية من قبل الولايات المتحدة لتنفيذ ضربات ضد مواقع صاروخية ايرانية تهدد الملاحة. ولم يكن ذلك مجرد دعم سياسي او لفظي، بل اسنادا عملياتيا فعليا. في المقابل، بقيت فرنسا الطرف الاكثر تحفظا، اذ اقرت باهمية هرمز، لكنها رفضت التسليم بأن الاصول الاوروبية ينبغي ان تدمج تلقائيا في بيئة عسكرية تصوغها واشنطن وتل ابيب. وهذه الفجوة بين لندن وباريس تعكس القصة الاوروبية الحقيقية: لا وحدة كاملة، ولا تمرد صريح، بل تردد متعدد الطبقات.
فماذا حدث في واشنطن اذا؟
لم يكن استسلاما. ولم يكن تحديا مباشرا. بل كان شيئا اكثر مراوغة، واكثر اهمية. ترامب لم يحصل على نسخة النصر التلفزيونية: لا اعلان عن اسطول، ولا تعهد حليف كبير، ولا صورة جماعية لطاعة منسقة. لكنه حصل على ما هو اعمق: تقارب تدريجي. اليابان عدلت موقفها. اوروبا عدلت موقفها. بريطانيا تحركت بسرعة اكبر. فرنسا رفضت المآل العسكري، لكنها لم ترفض تشخيص الازمة. هكذا تتبدل التحالفات في الواقع: لا بالابواق، بل بأنصاف خطوات يصر الجميع على وصفها بأنها مؤقتة.
المسألة الاعمق ان ترامب يختبر نموذجا اكثر خشونة لادارة التحالفات. الصيغة القديمة كانت تقوم على ان تقود اميركا، ويمنح الحلفاء الغطاء السياسي، ويتظاهر الجميع بأن الاعباء موزعة. اما الصيغة الجديدة فهي اكثر صراحة واشد طابعا تبادليا: واشنطن تتحرك اولا، ثم تطلب من الحلفاء الاكثر تعرضا للتداعيات ان يتحملوا حصة اكبر من كلفة الاستقرار. واليابان تبدو شديدة الهشاشة امام هذا المنطق، لأنها تعتمد بعمق على طاقة الشرق الاوسط، كما تعتمد في الوقت نفسه على المظلة الامنية الاميركية.
السيناريو الارجح هو تقاسم انتقائي للاعباء من دون اجماع كامل بين الحلفاء. ستبقى اليابان على الارجح داعمة سياسيا، لكنها متحفظة عسكريا. وستظل اوروبا منقسمة. وقد تواصل بريطانيا لعب دور الممكّن العملياتي. اما فرنسا فستستمر في مقاومة اي دمج سهل بين امن الملاحة وحرب مفتوحة بلا سقف زمني واضح. لكن التحول الاكبر بات ظاهرا بالفعل. اليابان لم تنحن في واشنطن، واوروبا لم تصطف على قلب رجل واحد. ومع ذلك، اقترب الطرفان من المنطق الاستراتيجي لترامب اكثر مما كانا مستعدين للاعتراف به علنا.
وهنا تكمن القصة الحقيقية.
فالسفن في مضيق هرمز ليست سوى السطح. اما القصة الاعمق، فهي ان التحالف نفسه يعاد التفاوض بشأنه في الزمن الحقيقي، فيما تتحول ممرات النفط في الخليج الى فاتورة سياسية واستراتيجية يدفع الجميع ثمنها بدرجات متفاوتة.
