الصين تبني، أمريكا تُسلّح، ومصر توازن
- قبل 22 ساعة
- 6 دقيقة قراءة


بقلم: أحمد فتحي
نيويورك: عندما وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة هذا الأسبوع، لم تكن مصر تستقبل رئيس الصين فحسب، بل كانت تستقبل أيضًا رواية متكاملة عن الصين ودورها المتصاعد في المنطقة والعالم.
على مدى أيام، امتلأت الشاشات والمواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي بلغة الشراكة والاستثمار والمصانع والتجارة والتنمية و"المستقبل المشترك". وجزء كبير من هذا الخطاب يستند إلى حقائق فعلية. فالصين أصبحت بالفعل واحدة من أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر، والشركات الصينية باتت حاضرة بقوة في البنية التحتية والتصنيع والطاقة والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. كما أن زيارة شي حملت وزنًا جيوسياسيًا واضحًا في وقت تواصل فيه بكين توسيع حضورها في الشرق الأوسط.
لكن متابعة التغطية من منظور صحفي كشفت عن جانب آخر يصعب تجاهله.
في أحيان كثيرة، بدا الخط الفاصل بين التغطية الإعلامية والترويج السياسي والاقتصادي شديد الضبابية. لم يقتصر الأمر على وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، بل امتد إلى معلقين ومؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي كرروا رسائل متشابهة إلى حد بعيد: الصين تبني، وتستثمر، وتحترم السيادة، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية، وتمثل المستقبل.
المشكلة لم تكن في أن كل ما قيل كان غير صحيح.
المشكلة كانت في الجزء الذي لم يُقل.
كان هناك قدر محدود جدًا من النقاش الجاد حول حجم الديون، وشروط التمويل، وجدوى المشروعات، وما الذي يحدث عندما تجد الدول النامية نفسها غير قادرة على سداد التزاماتها بسهولة.
وبالنسبة إلى ملايين المصريين، تحولت التغطية في كثير من الأحيان من محاولة لفهم الصين إلى عرض شديد الصقل لصورة الصين.
الصين بالفعل تبني وتستثمر، كما أنها موّلت مشروعات ترددت حكومات غربية ومؤسسات تمويل دولية في تمويلها أو تعاملت معها ببطء وتحفظ شديدين.
لكن الطرق لها آجال استحقاق. والموانئ تحكمها عقود. والسكك الحديدية تحمل فوائد القروض بقدر ما تحمل الركاب.
وهنا تبدأ القصة الأكثر تعقيدًا لمبادرة الحزام والطريق.
أبعد من شعار "فخ الديون"
منذ أن أطلق شي جين بينغ ما أصبح يُعرف لاحقًا بمبادرة الحزام والطريق عام 2013، موّلت الصين طرقًا وموانئ وسككًا حديدية ومحطات كهرباء ومناطق صناعية وشبكات اتصالات في أجزاء واسعة من العالم النامي.
في الخطاب الغربي، جرى اختزال هذا التوسع كثيرًا في تعبير "دبلوماسية فخ الديون".
التعبير جذاب سياسيًا.
لكنه غير كافٍ تحليليًا.
لا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن بكين تُقرض الدول بصورة منهجية بهدف دفعها إلى التعثر ثم الاستيلاء على أصولها الاستراتيجية.
السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت الصين تنصب فخاخًا، بل ما الذي يحدث عندما يتحول التمويل واسع النطاق إلى اعتماد طويل الأجل.
كشفت دراسات AidData عن مستويات مرتفعة من التعرض للديون الصينية في عدد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، كما وثقت مئات المليارات من الدولارات من الالتزامات المالية التي لم تكن دائمًا ظاهرة بصورة كاملة في الحسابات الرسمية، إلى جانب مشكلات مرتبطة بالشفافية والفساد والمعايير البيئية وأداء بعض المشروعات.
هذا لا يثبت وجود مخطط صيني شامل.
لكنه يوضح كيف يمكن أن يتحول الضعف المالي تدريجيًا إلى نفوذ سياسي.
وهذا هو النقاش الأكثر أهمية.
الصين ملأت فراغًا
أحد أسباب جاذبية مبادرة الحزام والطريق هو أن بكين فهمت شيئًا بدت الحكومات الغربية أحيانًا وكأنها تقلل من أهميته: الدول النامية تحتاج إلى بنية تحتية ملموسة.
تحتاج إلى طرق، وكهرباء، وسكك حديدية، وموانئ، وشبكات اتصالات، ومناطق صناعية.
لسنوات، اشتكت حكومات عديدة في إفريقيا وآسيا من أن التمويل الغربي بطيء، شديد التحفظ، أو مرتبط بشروط سياسية وحوكمية تعتبرها هذه الدول تدخلاً في شؤونها الداخلية.
الصين جاءت بالتمويل والمقاولين والاستعداد للتحرك بسرعة.
قدمت شيئًا يمكن رؤيته وقياسه.
فالطريق يمكن تصويره.
أما محاضرة عن الإصلاح المالي فلا يمكنها أن تنافسه بصريًا أو سياسيًا.
حتى البنك الدولي أقر بأن ممرات النقل المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق يمكن أن تعزز التجارة والاستثمار والدخل إذا كانت المشروعات مجدية اقتصاديًا ومدعومة بسياسات سليمة. لكنه حذر أيضًا من مخاطر تتعلق باستدامة الديون والشفافية والفساد والتأثيرات البيئية.
هذه المنطقة الرمادية تختفي كثيرًا في خطاب الطرفين.
خصوم الصين يختزلون المبادرة أحيانًا في الإقراض المفترس.
أما مؤيدو بكين فيقدمونها أحيانًا باعتبارها تنمية بلا تكلفة أو تبعات.
وكلا التصورين ناقص.
مصر بين واشنطن وبكين
الحالة المصرية أكثر تعقيدًا لأن القاهرة لا تنتقل ببساطة من قوة عظمى إلى أخرى. هي تحاول التعامل مع القوتين معًا.
على مدى عقود، احتلت الولايات المتحدة موقعًا خاصًا داخل البنية الاستراتيجية المصرية، من خلال المساعدات العسكرية، والتدريب، والتسليح، والدبلوماسية الإقليمية، ومعاهدة السلام مع إسرائيل.
هذه العلاقة لن تختفي فجأة.
كما أن الصين لا تستطيع ببساطة أن تحل محلها.
لكن العلاقة مع واشنطن تحمل معها أعباء سياسية. فالولايات المتحدة تثير بصورة متكررة قضايا حقوق الإنسان والحريات السياسية والحوكمة ضمن العلاقة الثنائية. ومن وجهة النظر الأمريكية، تُعد هذه قضايا مشروعة. أما من وجهة نظر القاهرة، فكثيرًا ما يُنظر إليها باعتبارها تدخلاً في الشؤون الداخلية.
الصين تقدم نموذجًا مختلفًا.
بكين نادرًا ما تبدأ الحديث عن السجناء السياسيين قبل الحديث عن مصنع أو منطقة صناعية.
وهذا فارق مهم.
بالنسبة إلى صناع القرار في مصر، لا تقدم الصين بنية تحتية فحسب، بل تقدم أيضًا مساحة أوسع للمناورة الاستراتيجية.
كلما اقتربت القاهرة من بكين، بدت أقل اعتمادًا على واشنطن. وكلما قل هذا الاعتماد، ازدادت مساحة التفاوض مع الولايات المتحدة.
هذا ليس استبدال أمريكا بالصين.
إنه محاولة لموازنة العلاقتين.
بابان مفتوحان... لكن إلى متى؟
حتى الآن، تستطيع مصر الاستفادة من إبقاء البابين مفتوحين.
يمكنها الحفاظ على التعاون العسكري مع واشنطن، وفي الوقت نفسه جذب الاستثمارات الصينية. ويمكنها الاستمرار في تلقي الدعم الأمني الأمريكي، مع توسيع التجارة والبنية التحتية وحتى الاتصالات العسكرية مع بكين.
زيارة شي جعلت هذا التوازن أكثر وضوحًا، مع اتفاقات شملت الأمن، وأشباه الموصلات، والمعادن الحيوية، وزيادة استخدام العملات الوطنية في التجارة، إلى جانب توسع التعاون العسكري.
لكن التوازن لا ينجح إلا ما دامت العلاقات مرنة.
إذا أصبح التمويل الصيني أكثر هيمنة، فقد تضيق مساحة المناورة المصرية.
وإذا احتدم التنافس بين الولايات المتحدة والصين أكثر، فقد تصبح واشنطن أقل ارتياحًا لوجود صيني واسع في قطاعات استراتيجية مثل البنية التحتية والاتصالات والتكنولوجيا الحساسة والتعاون الأمني في دولة ما زالت شريكًا أمريكيًا رئيسيًا.
وهنا تبدأ القرارات التجارية في التحول إلى قرارات استراتيجية.
ومصر ليست موقعًا عاديًا في هذا الحساب.
فقناة السويس، والبحر الأحمر، والبحر المتوسط، وإفريقيا والشرق الأوسط كلها تلتقي عندها.
الجغرافيا لا تزال تصنع السياسة.
الأسئلة التي يجب أن تُطرح
لهذا السبب تحديدًا كانت حالة الاحتفاء الإعلامي بزيارة شي تثير القلق.
قيل للمصريين مرارًا ماذا تستطيع الصين أن تقدم.
لكن عددًا قليلًا سأل: ماذا تحصل الصين في المقابل؟
هنا تحديدًا ظهر الجانب المقلق فكريًا في كثير من التغطية.
التغطية الإيجابية للصين أمر مشروع.
أما التغطية غير النقدية فهي أمر مختلف.
ما حجم الديون الصينية على مصر بصورة مباشرة وغير مباشرة؟ أي المشروعات تحقق عوائد اقتصادية كافية؟ ما الضمانات التي تم تقديمها؟ وكم من التمويل الصيني يُعد استثمارًا أجنبيًا مباشرًا حقيقيًا، وكم منه هو اقتراض ستلتزم جهات مصرية بسداده مستقبلًا؟
والأسئلة الآن تتجاوز التمويل.
ما حجم الوصول الذي قد تحصل عليه الشركات الصينية إلى القطاعات الاستراتيجية واللوجستيات والاتصالات والبنية التحتية الحيوية؟
وفي أي لحظة يبدأ الحضور الصيني الأعمق في التأثير على علاقة مصر بالولايات المتحدة؟
هذه ليست أسئلة معادية للصين.
وليست أسئلة مؤيدة للولايات المتحدة.
إنها أسئلة مصرية.
وينطبق الأمر نفسه على بعض المؤثرين الذين تتشابه لغتهم أحيانًا بدرجة لافتة مع الرسائل الرسمية. لا يمكن الجزم من الخارج بما إذا كان هذا التشابه منظمًا أو مشجعًا أو ناتجًا عن مصالح متبادلة.
لكن الأثر يستحق التوقف عنده.
تتغير الوجوه.
وتبقى الرسائل.
وهنا يجب أن تبدأ الصحافة في كسر النص الجاهز.
المشكلة الحقيقية هي الاعتماد
اختزال مبادرة الحزام والطريق في تعبير "فخ الديون الصيني" يخدم بكين أكثر مما يضرها. تستطيع الصين رفض الاتهام والإشارة إلى آلاف المشروعات التي لم تنتهِ بتعثر أو مصادرة أصول، والقول إن خصومها الغربيين يبالغون في تصوير المخاطر.
الحجة الأقوى أصعب في الرد عليها.
الصين رأت ضعفًا حقيقيًا في النظام الدولي.
الدول النامية كانت بحاجة إلى بنية تحتية، وكانت خيارات التمويل المتاحة أمامها محدودة.
بكين دخلت إلى هذه المساحة.
نجحت بعض المشروعات.
وتحول بعضها الآخر إلى أخطاء مكلفة.
لكن الصين حصلت في النهاية على شيء أكثر قيمة من عوائد الفوائد.
حصلت على علاقات.
وعندما تجمع العلاقة الواحدة بين البنية التحتية والديون والتكنولوجيا والتجارة والدبلوماسية، فإنها تتحول بمرور الوقت إلى نفوذ وقوة.
هذا لا يعني أن على مصر الابتعاد عن الصين. بل ينبغي لمصر أن تسعى بقوة إلى جذب الاستثمار الصيني عندما يخدم مصالحها.
كما لا ينبغي للقاهرة أن تتمسك بواشنطن فقط لأن هذه العلاقة هيمنت على نصف القرن الماضي.
المصلحة المصرية يجب أن تأتي أولًا.
لكن هذا المبدأ لا يعمل إلا إذا احتفظت الدولة بالقدرة على أن تقول "لا" — لواشنطن، أو لبكين، أو لأي طرف آخر.
حتى الآن، قد تظل مصر قادرة على الاستفادة من العلاقتين.
السؤال الأصعب هو: إلى متى ستظل هذه المساحة متاحة مع تصاعد التنافس الأمريكي-الصيني؟
بعد متابعة التغطية شبه الاحتفالية لزيارة شي، كان هذا هو النقاش الذي تمنيت أن يدور في مصر.
ليس: هل الصين جيدة أم سيئة؟
ولا: هل أمريكا صديق أم عدو؟
هذه طريقة شديدة التبسيط لفهم السياسة الخارجية.
السؤال الحقيقي أكثر جدية:
كيف تتعامل مصر مع الطرفين من دون أن تصبح معتمدة على أيٍّ منهما؟
قبل الإعجاب بالطريق، يجب السؤال: من بناه؟ ومن موّله؟ وكم سيكلف؟ ومن يسيطر على التكنولوجيا التي تديره؟ ومن ينتظر استرداد أمواله؟
ثم يأتي السؤال الأهم:
ماذا يحدث عندما تقرر واشنطن وبكين معًا أن هذا الطريق أصبح جزءًا من مصالحهما الاستراتيجية؟
