top of page

البحرين تصطدم بجدار الفيتو بعد إسقاط روسيا والصين مشروع قرار هرمز

  • 8 أبريل
  • 4 دقيقة قراءة
انقسام مجلس الأمن خلال التصويت على مشروع القرار البحريني بشأن مضيق هرمز في مقر الأمم المتحدة، قبل أن تُسقطه روسيا والصين باستخدام الفيتو رغم حصوله على 11 صوتًا مؤيدًا.
انقسام مجلس الأمن خلال التصويت على مشروع القرار البحريني بشأن مضيق هرمز في مقر الأمم المتحدة، قبل أن تُسقطه روسيا والصين باستخدام الفيتو رغم حصوله على 11 صوتًا مؤيدًا.

البحرين تصطدم بجدار الفيتو بعد إسقاط روسيا والصين مشروع قرار هرمز

بقلم أحمد فتحي

الأمم المتحدة، نيويورك — دخلت البحرين مجلس الأمن وهي تطلب شيئًا يبدو في ظاهره بسيطًا: الدفاع عن حرية الملاحة في أحد أهم الممرات المائية في العالم. لكنها خرجت بتذكير صارخ بالحقيقة الأقدم داخل الأمم المتحدة: يمكن لأغلبية أن تؤيد، ويمكن للنص أن يُخفف مرارًا، ويمكن لأسبوع كامل من الاتصالات أن يُبذل، ثم يأتي عضوان دائمان فقط لدفن كل ذلك في دقائق.

هذا بالضبط ما حدث الثلاثاء، حين أسقطت روسيا والصين مشروع القرار البحريني بشأن الأمن البحري في مضيق هرمز رغم حصوله على 11 صوتًا مؤيدًا، في مشهد كشف ليس فقط شلل مجلس الأمن، بل أيضًا الصراع الأعمق حول من يملك حق تعريف الأزمة الإقليمية نفسها.


لانا نسيبة، وزيرة الدولة في الخارجية الإماراتية والمندوبة السابقة لبلادها لدى الأمم المتحدة،
لانا نسيبة، وزيرة الدولة في الخارجية الإماراتية والمندوبة السابقة لبلادها لدى الأمم المتحدة،

التصويت الفاشل لم يكن وليد لحظة. بل كان حصيلة تحرك خليجي مكثف داخل أروقة الأمم المتحدة. ووفق روايات دبلوماسية من داخل المبنى، أمضى وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني نحو أسبوع كامل في نيويورك، إلى جانب لانا نسيبة، وزيرة الدولة في الخارجية الإماراتية والمندوبة السابقة لبلادها لدى الأمم المتحدة، في جولة اتصالات ومشاورات مع كل أعضاء المجلس.


وقدمت البحرين تنازلات كبيرة في النص في محاولة لتفادي الفيتو. فحُذفت بنود مبكرة أثارت قلق بعض الوفود لأنها بدت قابلة للتفسير كتمهيد لاستخدام القوة. وبحلول لحظة عرض النص على التصويت، كان قد جرى تجريده من أي تفويض باستخدام القوة، مع حذف أي لغة تنفيذية ملزمة بشكل صريح.


رسالة البحرين داخل القاعة كانت واضحة: المطلوب حماية مبدأ، لا توسيع الحرب. المنامة دفعت بأن تعطيل الملاحة في المضيق لم يعد مجرد أزمة إقليمية، بل أصبح شكلًا من أشكال الإكراه الاقتصادي وتهديدًا مباشرًا للنظام الدولي. وكانت الرسالة السياسية هنا أبعد من النص نفسه: إذا كان مجلس الأمن يعجز عن التحرك حين يتعرض أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم للتهديد، فما الذي تبقى من هيبته أصلًا؟

الولايات المتحدة اختارت لهجة أكثر صدامية. السفير الأمريكي مايك والتز وصف الموقف الروسي والصيني بأنه “مستوى جديد من الانحدار”، وقال إن إغلاق المضيق من جانب إيران لا يهدد الأسواق فقط، بل يعرقل أيضًا وصول الإمدادات الطبية والمساعدات إلى أزمات إنسانية في غزة والسودان والكونغو. وبهذا، أرادت واشنطن أن تقول إن المسألة لم تعد مجرد نقاش قانوني حول الملاحة، بل اختبار مباشر لما إذا كان مجلس الأمن سيتسامح مع ابتزاز استراتيجي مكشوف.


فرنسا وقفت مع البحرين، لكن بنبرة أقل اشتعالًا من واشنطن. باريس شددت على أن النص جرى تقليصه إلى حدود “إجراءات دفاعية بحتة” هدفها تأمين الملاحة من دون الانزلاق إلى تصعيد عسكري أوسع. وفي الجوهر، كانت فرنسا تحاول سحب الذريعة الأساسية من أيدي موسكو وبكين: أن مشروع القرار يمكن أن يتحول إلى غطاء سياسي أو قانوني لتحرك عسكري أكبر.


أما روسيا، فتعاملت مع المشروع على أنه ليس نصًا محايدًا لحماية الملاحة، بل أداة سياسية خطرة. موسكو قالت إن المشروع يتجاهل ما تعتبره “الأسباب الجذرية” للأزمة، وفي مقدمتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ويحاول في المقابل تقديم طهران بوصفها المصدر الوحيد للتصعيد. ومن وجهة النظر الروسية، فإن أي قرار من هذا النوع، حتى بعد تخفيفه، قد يفتح الباب أمام استخدام لغة المجلس كغطاء لتحركات عسكرية لاحقة.


سفراء دول مجلس التعاون الخليجي لدى الأمم المتحدة يحيّون أعضاء مجلس الأمن قبيل التصويت الذي أسقط مشروع القرار بالفيتو الروسي والصيني.
سفراء دول مجلس التعاون الخليجي لدى الأمم المتحدة يحيّون أعضاء مجلس الأمن قبيل التصويت الذي أسقط مشروع القرار بالفيتو الروسي والصيني.
سفير الصين في الأمم المتحدة فو كونج
سفير الصين في الأمم المتحدة فو كونج

الصين سارت في الاتجاه نفسه، لكنها ركزت أكثر على خطر الانزلاق إلى تصعيد أوسع. بكين أوضحت أن مجلس الأمن يجب أن يعمل على خفض التوتر وإعادة فتح باب الدبلوماسية، لا أن يتحول إلى منصة تمنح غطاءً لأعمال حرب غير قانونية أو تزيد النار اشتعالًا. وبذلك، لم تكن الصين تدافع عن تعطيل الملاحة بحد ذاته، بقدر ما كانت ترفض أي صياغة يمكن أن تُفهم كشرعنة للضغط العسكري على إيران تحت عنوان الأمن البحري.

وهنا ظهر الانقسام الحقيقي داخل القاعة. البحرين والولايات المتحدة وفرنسا تحدثت من منطق الأمن البحري العاجل: المضيق حيوي، وإيران تجاوزت الخط، وعلى المجلس أن يرد. أما روسيا والصين فتحدثتا من منطق الترتيب السياسي والقانوني للأزمة: أوقفوا الحرب الأوسع أولًا، لأن أي قرار منفصل عن هذا السياق قد يصبح تفويضًا غير مباشر للتصعيد.


هكذا انتهى المشهد إلى الصورة الأممية المألوفة: أغلبية تؤيد، والفيتو يقتل.


لكن القصة لم تنته عند هذا الحد. فبعد إسقاط المشروع البحريني، تحركت موسكو وبكين سريعًا لتوزيع مشروع قرار بديل يركز على الوضع الأشمل في الشرق الأوسط، بما في ذلك الأمن البحري، ويدعو إلى خفض التصعيد والعودة إلى الدبلوماسية. ووفق روايات دبلوماسية، وُضع النص “بالأزرق” من دون مشاورات مسبقة، ومن دون تحديد موعد للتصويت عليه حتى مساء الثلاثاء.


وهذه الخطوة تكشف أن روسيا والصين لم تكتفيا بإسقاط الرواية البحرينية، بل تريدان فرض روايتهما البديلة على المجلس.

في النهاية، لم تكن جلسة الثلاثاء مجرد سقوط مشروع قرار، بل كانت لحظة اصطدام مفتوح بين تعريفين متنافسين للأزمة. البحرين أرادت أن يعرّف المجلس ما يجري باعتباره اعتداءً على الملاحة والتجارة العالمية. روسيا والصين رفضتا ذلك، ودفعتا نحو تعريف آخر يرى الأزمة نتيجة مباشرة لحرب أوسع تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل.


البحرين خففت النص. البحرين حشدت. البحرين جمعت 11 صوتًا. لكنها لم تستطع كسر الفيتو. وفي مجلس الأمن، يبقى هذا هو الفارق بين الحشد الدبلوماسي والسلطة الفعلية.





bottom of page